محمد بن أحمد الفاسي

254

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

توقيع إليه بها ، وبنظر الحرم والحسبة ، مؤرخ بثانى عشر صفر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة . وكان قد جاءه توقيع بنظر الحرم والحسبة ، في حادي عشر القعدة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة . فباشر ذلك إلى أوائل ذي الحجة منها ، وتغرى برمش عليل مدنف . وكان سبب موته استطلاق بطنه من كثرة الأكل . فإنه لما عرض له الإسهال من ذلك ، صار يشتهى أشياء كثيرة ضارة له ، فتصنع له ويأكلها ، وتكرر ذلك منه ، فعظم عليه الضرر والتعب ، إلى أن مضى لسبيله في ليلة مستهل المحرم ، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة ، ودفن في صبيحتها بالمعلاة ، وحمل إليها فيما يحمل فيه الطرحا . ولم يشيعه من الناس إلا القليل . ومما يحمد من أفعاله : سعيه في شراء ماء في قرار عين السلامة ، وهي ساعة ، يسقى به البستان المنسوب وقفه لنجم العجمي ، عند مشهد حبر الأمة ، عبد اللّه بن عباس بالطائف . وذكر لي أن ثمن ذلك مائة مثقال . وكان قد اشترى بالمدينة دارا تنسب لأبى مسلم ، وذكر أنه أوصى بوقفها على رجلين ، يقرأ أحدهما : شرح معاني الآثار للطحاوي ، وكتاب العاقبة لعبد الحق الإشبيلي ، والتذكرة للقرطبي ، ورياض الصالحين ، وسلاح المؤمن ، وغير ذلك من الكتب التي سماها . والآخر : يصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كل يوم ألف مرة ، ثم رجع عن هذه الوصية ، ووقف هذه الدار على أقاربه ، وأثبت ذلك على بعض الحكام من الحنفية بمكة وحكم بها ، وأثبت الموقوف عليهما ، وقف الدار عليهما ، قبل رجوعه ، فيما بلغنا . وذكر أن ما صدر من تغرى برمش ، لم يكن كما زعم وصية منه ، وإنما نجز وقفيته . وكان قليل المداراة للناس ، كثير الحب للإقدام المؤلم ممن يعارضه ، وإذا ظهر له أن في فعل شئ مصلحة ما ، فعل ذلك ، وإن كان تركه أصلح ، أو المصلحة أكثر في فعل غير ما يراه ، وهو السبب الأعظم في إزالة الخلوة التي كانت إلى جنب زمزم في المسجد الحرام ، والزبازيب التي تحتها الأحجار التي عندها . وكان الناس يجلسون عليها ، ويتوضون من هذه الزبازيب ، لما قيل إن بعض الناس يستنجى هناك ، وكان زوال ذلك في العشر الأول من ذي الحجة سنة سبع عشرة وثمانمائة ، بعد وجوده عشر سنين . وعوض عنه السبيل الموجود الآن .